Scientific Applications Community Foundation For Management Consultancy

مؤسّسة مُجتَمعُ التَطبيقاتِ العِلمّيَة

للاستشارات الإدارية

العلوم العسكرية

وصف لمساق الامني والعسكري التدريبي

 الأمن هو التنمية وبدون تنمية لا يوجد امن , إضافة إلى ذلك , فان الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها على الساحتين الإقليمية والدولية فرضت نفسها وبشكل حتمي على ارض الواقع , واقتضت بالضرورة مواجهة ما أفرزته من مشكلات لها انعكاسات على الأمن بدرجات متفاوتة فضلا عن مواجهة الجريمة في سائر صورها وأشكالها ودرجاتها بأسلوب علمي يواكب النمط العلمي المتخصص الذي ترتكب به الجريمة سواء في جانبه المتعلق بفكرة الجريمة ذاتها أو في طريقة ارتكابها ووسيلة إتمامها , خاصة ما يعرف بالجريمة المنظمة أو جرائم خارج النطاق , (1) وجرائم العنف والإرهاب التي أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد وجود المجتمعات في ذاتها (2) .  ومما لا شك فيه , أن مواجهة تلك المخاطر والتحديات تتطلب صياغة خطة لها أبعادها ومحاورها الاستراتيجية التي تتميز بالثبات والاستقرار النسبي , التي تعتمد على منطلقات ومقومات لاغنى عنها حتى تحقق أهدافها المرصودة لها.

 وفي ضوء المقدمات سالفة الذكر فإننا نتناول هذا الموضوع على التقسيم والتفصيل الآتي :

  •  مبحث أول : الأمن ( فلسفة , مفهومها , ومضمونا )
  •  مبحث ثان : متطلبات ومقومات الاستراتيجية
  •  مبحث ثالث : النتائج المستهدفة .

( الفلسفة , المفهوم , والمضمون )

الأمن حاجة أساسية من حاجات البشر , تحتل المرتبة الثانية من حاجاته وتتلو مباشرة في أهميتها إشباع الفرد لحاجاته الفسيولوجية والطعام والشراب ولذا يؤثر الإحساس بفقده أو بنقصه على كيان المجتمع (3) .  ومفهوم الأمن ومضمونه يتفاوت من مجتمع لآخر , بل يتفاوت في المجتمع الواحد من فترة لأخرى , ومرد هذا التفاوت والاختلاف إلى الإيديولوجية السائدة في المجتمع , والى الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم على تحقيقها (4) .

وفي ضوء ما تقدم , تنقسم دراستنا في - هذا الصدد - على النحو التالي :

  •  مطلب أول : فلسفة الأمن .
  • مطلب ثاني : مفهوم الأمن ومضمونه .

فلسفة الأمن

 الأمن هو إحساس الأفراد والجماعات التي يتشكل منها المجتمع بالطمأنينة , والشعور بالأمن والاستقرار , وهو ما يحفزهم على العمل والإنتاج , لذلك فان الهدف الأساسي للشرطة هو إقرار السكينة والنظام ووقاية المجتمع من عوامل الانحراف التي تهدد كيانه (5) . والشرطة وهي بصدد إقامة الأمن تتبع سبيلين : الأول الأسلوب الوقائي والذي يستهدف توقي الجريمة قبل وقوعها من خلال بعض الإجراءات الشرطية التقليدية وهي إجراءات تؤدي بالضرورة إلى التقليل من وقوع الجرائم نتيجة لتضييق الفرص أمام المجرمين , فالشرطة لا تقف مكتوفة الأيدي حتى تقع الجريمة فتكافحها وإنما تنفذ ببصريتها إلى الجريمة , وهي مشكلة اجتماعية لها نوازعها وعواملها , وان سبيل الشرطة في هذا الشأن هو إثارة انتباه المواطنين أصحاب الشأن بالدرجة الأولى في القضاء عليها (6) , ومن ثم تكون الشرطة قد قامت بدورها في المحافظة على قواعد المجتمع , وإزالة الأوضاع والمشكلات التي تسبب في الميل إلى الانحراف والجريمة (7) . والثاني : أسلوب المواجهة وهو ملاحقة الجريمة بعد ارتكابها وتعقب مرتكبيها لتقديمهم للعدالة . وإذا حددت فلسفة الأمن ورسمت خطتها على أساس دراسة أسباب الجريمة ودوافعها ووسائل المقاومة الكفيلة بالحد من فرص ارتكابها , وفقا للأساليب العلمية الحديثة (8) , فان الظواهر الإجرامية لا تلبث أن تنحصر تدريجيا , ويصبح الأمن والاستقرار بديلا عن الاضطراب والفوضى (9) .  وخلاصة القول , إن الأمن الحقيقي هو الشعور بملء النفس ثقة واطمئنان بالحاضر والمستقبل وهو أمر يخرج عن مقدور الأرقام والإحصائيات أن تنبه أو تفصح عنه , وهي حقيقة لا تغيب عن احد ينعم بالأمن إحساسًا وشعورًا .

مطلب ثاني

مفهوم الأمن ومضمونه

الأمن مثلما يحتاج إلى خطة للعمل في حاجة أيضًا إلى نظرية تقوم عليها سياسته , ثم إلى بحوث مستمرة لتطوير هذه النظرية حتى تساير المجتمع واحتياجاته في الأمن والاستقرار , وهذه النظرية الفلسفية هي القاعدة أو الدعامة التي ترتكز عليها الخطة , ولا سبيل إلى قيام تخطيط سليم مالم يستند إلى فلسفة سديدة (10)  ويقتضي قيام تخطيط سليم لمفهوم الأمن , أن يستتبع بالضرورة مواجهة الجريمة ومتابعة تطوراتها , بحسبان أن الجريمة ظاهرة اجتماعية وهي خاضعة للتطور الاجتماعي في كل بيئة من البيئات , وفي كل جماعة من الجماعات فالجريمة والمجرم شيئان متلازمان , فلا توجد جريمة بغير مجرم ولا يوجد مجرم بغير جريمة , فإذا كانت الجريمة تتطور فهذا شان المجرم كذلك .  وعلى ذلك فالمجرم يتطور بتطور العلم وتطور القيم الاجتماعية ومقتضى ذلك أن المجرم في العصر الحديث لم يعد غافلاً عن الوسائل العلمية التي تتبعها أجهزة الشرطة وأجهزة مكافحة الجريمة في تتبع المجرمين وتضييق الخناق عليهم واثبات التهمة في حقهم , بل قد تتجاوز قدراتهم أحيانا في تجنب هذه الوسائل قدرات القائمين باستخدامها (11).  ولكن يقابل ذلك حقيقة أخرى , هي أن المجرم في العهود الماضية لم يكن في الواقع في حاجة إلى الاستعانة بالعلم لإخفاء آثاره وتيسير فرص ارتكاب جرائمه ما دام المستوى العام للمجتمعات في ذلك الوقت لم يكن يستلزم قدرات علمية من المجرمين لارتكاب جرائمهم , ولم تكن الوسائل العلمية لكشف الجرائم والمجرمين قد عرفت بعد , ولكن يبدو أن مدى التطور في العلم يجاوز عادة قدرة المجرمين على الاستفادة من العلم , أي إن الوسائل التي يكشف عنها العلم لمكافحة الجريمة تظل فترة غير قصير من الزمان خافية على المجرمين حتى يتنبهوا إليها في النهاية فيواجهوها بما يبتكرونه من وسائل .  ونخلص من ذلك إلى نتيجة هامة , هي انه لا يمكن القول بان الوسائل العلمية لمكافحة الجريمة تفقد قيمتها لمجرد أن المجرمين يواجهونها بوسائل علمية مضادة , ولكن الذي يمكن قوله هو أن الأمر يحتاج دائما لتطوير هذه الوسائل العلمية وتطوير كيفية استخدامها حتى لا يلحقها ركب المجرمين , وانه إذا وقفت عند حد معين لسنوات طويلة فإنها تصبح محلا للشك في قدرتها على الوفاء بالغرض المقصود منها .  وإذا كانت المجالات التقليدية لأجهزة الشرطة تتمثل في المحافظة على الأمن العام , والصحة العامة والسكينة العامة (12) , إلا أن مضمون الأمن في الوقت الحاضر غدا أكثر اتساعا فلم يقف عند حد تلك المجالات , بل أصبح للأمن مفهوم شامل , ومؤداه إن امن المجتمع واستقراره لا يقومان فقط على تنفيذ القوانين , إنما يقومان أيضا على التفكير المستمر لإيجاد الحلول الإنسانية لعلاج المشكلات الاجتماعية وعلى تطور هذه الحلول مع تطور المجتمع (13) .  وفي ضوء هذه النظرة الشمولية أصبح للأمن روافد عديدة تتمثل في الأمن العام , والأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي والأمن السياسي , وتلك الروافد وغيرها تغطي جميع المجالات التي تقوم عليها أجهزة الأمن . ومما يجدر التنويه إليه , أن الشرطة باعتبارها أول جهاز في الدولة لمنع الجريمة لم يكن في وسعها أن تظل بعيدة عن التطور العلمي في كيفية مكافحة الجريمة والوقاية منها .  ولاشك إن هذا التطور العلمي في مكافحة الجريمة كان وليد التطور في علوم الجريمة سواء من الناحية القانونية أو النفسية أو الاجتماعية , ثم بدأت نظرية الدفاع الاجتماعي تلعب دورها في توجيه الذهن نحو الإطار الواسع لمكافحة الجريمة بعد أن كان هذا الإطار حبيس الإجراءات والتدابير التقليدية التي جرى العالم فترة طويلة من الزمان على مواجهة الإجرام بها.  وهكذا لم تعد مكافحة الجريمة مقصورة على تدابير المنع أو الردع التي أنتجتها أجهزة الشرطة فيما مضى , لكنها أضحت سياسة جنائية بكل ما تتضمنه كلمة سياسة " من معنى " (14) .  ولم تعد الشرطة وحدها المسئولة عن وضع السياسة وانتهاجها , إنما تشترك معها كل الأجهزة المختصة في الدولة برعاية الفرد والمجتمع ودعم القيم الإنسانية والخلقية فيه كون كل في حدود اختصاصه .

مبحث ثاني

متطلبات ومقومات الاستراتيجية

يقصد بالاستراتيجية هنا ما هو قائم وما هو قادم , من ظواهر إجرامية فرضت ظروف العصر ومتغيراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، مواجهتها مواجهة متلاحقة وتعقبها تحقيقا للاستقرار الأمني .  ويتطلب لنجاح الاستراتيجية بمفهومها المتقدم , ضرورة توافر متطلبات ومقومات لا غنى عنها في هذا الصدد , بدونها تغدو الاستراتيجية كلمات جوفاء لا صدى لها في الواقع .  وهنا يلزم التنبيه إلى أن ثمة فارق بين المتطلبات والمقومات , فالمتطلبات هي دعائم أو ركائز ثابتة لا تتبدل بتغير الظروف والأحوال , أما المقومات فهي لا تعدو أن تكون مجموعة من العناصر تتسم بالمرونة , لتواكب المتغيرات التي تجد من وقت لآخر .

 وتنقسم دراستنا- في ضوء - ذلك على النحو التالي :

  • مطلب أول : متطلبات الاستراتيجية
  • مطلب ثاني : مقومات الاستراتيجية

 مطلب أول

متطلبات الاستراتيجية

 تحكم الاستراتيجية دعائم معينة, تتمثل في مجموعة من الأفكار الأساسية تعتبر منطلقات لتحقيق أهداف معينة .

 وتتبدى هذه المتطلبات في الآتي(15) :

أولا : مبدأ العلمية :

 بمعنى الاستناد دائما إلى الأساس العلمي القائم على الاستفادة من الخبرات والتخصصات ودراسة الخطط السابقة والاستفادة من التجارب السابقة , والاستخدام العلمي المتطور عند وضع خطط مواجهة الجريمة . وهذا المبدأ , فرضته بالمقابل السمة العلمية التي غدت ملازمة للجريمة الحديثة . فعالم الجريمة يجتاز مرحلة حاسمة من مراحل التطور المذهل . للجريمة الحديثة فعالم الجريمة يجتاز مرحلة حاسمة من مراحل التطور المذهل فالجريمة العصرية التي شاع وقوعها منذ أوائل الستينيات من هذا القرن بدأت تعتمد على التخطيط العلمي الدقيق , على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ الجنائي ( 16) . والجدير بالذكر هنا , إن مبدأ العملية ينبغي أن يسير بالتوازي مع الصبغة العلمية للجريمة , إذن فالمواجهات يتعين أن تكون علمية تقوم على التخطيط العلمي . 

ثانيا : مبدأ مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ :

 يقصد ( أولا ) بمركزية التخطيط ذلك التخطيط المركزي الذي يتيح منهاجا متكاملا من الناحية العلمية , وفي هذا الصدد فان هذا التخطيط المركزي يكفل إيجاد التوازن والتنسيق الضروري بين خطط القطاعات المختلفة , وكذلك يحقق التنسيق عند التنفيذ , كما إن التخطيط المركزي يمكن من مواجهة المشاكل العامة التي لا تدخل في نطاق عمل معين أو"جهاز معين".  والى جانب مبدأ مركزية التخطيط يوجد مبدأ آخر يقوم على لامركزية التنفيذ , بمعنى أن تلقى مسئولية التنفيذ على عاتق القطاعات المختلفة كل حسب موقعة وقدر اختصاصه .

 ثالثا : مبدأ الإلزامية والمرونة :

 يعني مبدأ الإلزامية ضرورة الالتزام في التنفيذ بخطط تحقيق الأهداف عقب اعتمادها وإبلاغها إلى جميع الاجهزه في المناطق المختلفة والعمل على إمكانية استجابة الخطة للظروف الطارئة اعتمادا على الدراسات التنبؤية , ومدى قابليتها مواجهة أيه مشاكل عند التنفيذ .  أما المرونة فتعني أن تكون الخطة ذات بدائل مختلفة بحيث يمكن مواجهة الاحتمالات الطارئة (17) .  فمن المسلم به أن حرية أجهزة الأمن ليست مطلقة في اختيار نوع التخطيط لمواجهة تلك الأخطار , بل يتعين أن يكون هذا التخطيط وليد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة , وينبغي أن يطور التخطيط بحيث يناسب حاجة المجتمع وقدراته في ظل ما يجد من ظروف , لذلك فان صلاحية خطة الأمن - شأنها بذلك كسائر الخطط - رهين بملاءمتها شكلاً وموضوعا للأوضاع التي تصاغ في ظلها وان استمرار هذه الصلاحية يتوقف بالدرجة الأولى على استمرار تلك الأوضاع فإذا ما تغيرت الظروف ولم تسايرها الخطة بالتغير, فكأنما قد حكمت على نفسها بالإخفاق والعجز عن ملاحقة التطور. ومؤدى هذا إن السمة الرئيسية في الخطة هي المرونة والقابلية للتطور وفقا للتنظيمات والقيم الجديدة بل إن الخطة السليمة هي التي تتنبأ بهذه الظواهر قبل وقوعها , فتعمل على دراستها ووضع الحلول الكفيلة بمواجهتها حتى لا تفاجأ بها مفاجأة قد تفقدها القدرة على التكيف معها تأثرًا بها وتأثيرًا فيها (18) .

 رابعا : مبدأ الواقعية :

 يقصد بهذا المبدأ مدى ملاءمة الوسائل والأساليب للواقع الذي سوف تنفذ فيه وتقدير الإمكانات المتاحة التي سيتم التنفيذ في حدودها . أما الشق الأولى من المبدأ والذي يتمثل في مدى ملاءمة الوسائل والأساليب للواقع , فان تقدير هذه الملاءمة من اطلاقات القيادة , وتخضع لمحض ترخيصها بلا معقب عليها في ذلك إلا إذا شاب تقديرها خطأ مؤثر لا سبيل لتداركه .  والجدير بالذكر أن تقدير الملاءمة , يقوم على مدى تناسب الوسائل والأساليب المتاحة للواقع , وتلك مسألة تحتاج إلى الخبرة والعلم معا . وفي اعتقادنا أن تلك المسألة لا تحتاج إلى خبرة فحسب , بل المشورة أيضا من القائمين على التنفيذ , إذ هم اقدر من غيرهم على الإجابة على تلك المسألة . أما الشق الثاني ومؤداه , تقدير الإمكانات المتاحة التي سيتم التنفيذ في حدودها فهذا الشق يرتبط بالأول ارتباطا وثيقا أو ارتباط السبب بالنتيجة ذلك إن تنفيذ الوسائل والأساليب يعتمد بالدرجة الأولى على الإمكانات المتاحة وعلى قدر هذه الإمكانات يأتي التنفيذ محققا لأهدافه . ومن ناحية أخرى فاعليه الأهداف تتحقق أيضا من واقع مدى واقعيتها واداركها لكافة المتغيرات والعوامل المؤثرة , والخصائص العامة لبيئة التنفيذ , ومن هنا فان كانت مسئولية الأجهزة المتخصصة في التخطيط تتمثل في انتهاج الدراسات العلمية المستمدة من البيانات الصحيحة الواقعية والتنبؤات الرشيدة حول كل خطة على حده , فان مهمة القيادة الشرطية في هذا المجال تنصرف إلى توفير المعلومات المستمدة من الملاحظة والتحليل والربط بين الأحداث , القدرة على التعرف على العامل أو العوامل الاستراتيجية المحققة لفاعلية الخطط وحاسة التوقع التي تنتج البديل المرن لمواجهة أي متغير حال. ذلك أن تحقيق الأهداف الأمنية قد يواجه العديد من العوامل والمؤثرات التي قد تخرج عن إطار سيطرة المنظمة الشرطية لارتباطها بأحداث سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ذات طابع فجائي ومن هنا كانت أهمية ضرورة أن تتسم الخطة بالواقعية (19) .

خامسا : مبدأ الاستمرار و المشاركة :

 ويعني ذلك أن تحديد الوسائل والأساليب والتخطيط لمواجهة متطلبات الأمن ليس عاملا عارضا تلجا إليه في ظروف معينة فقط , بل له صفة الاستمرارية بالإعداد السابق والتطوير المستمر القائم على التنظيم الدقيق وإعادة التقييم كذلك .  وبذلك يكون إعداد الخطة قد تم بمساهمة العاملين , فضلا عن تنفيذها بواسطتهم ويكون تدخل سلطة القيادة في الخطة للتوجيه والتنسيق في إعدادها والإشراف والرقابة على تنفيذها (20) .

مطلب ثان

مقومات الاستراتيجية

 بادئ الرأي , أن الاستراتيجية تعتبر في حقيقتها مفاهيم نظرية يلزم بالضرورة الالتزام بها , والعمل على مراعاتها والتعرف على ما تحويه من دلالات ثم القيام بترجمة تلك الدلالات إلى معطيات في ضوء المطلوب من مهام والمتاح من إمكانات .  وسبق أن حددنا فيما سبق مفهوم الأمن مضمونه وفلسفته ويلزم لتحقيق الأمن صياغة استراتيجية تستلهم الدلالات السابقة , ومراعاة المتاح من الإمكانات سواء المادية أو التنظيمية أو البشرية .... الخ

 وفي ضوء ما تقدم , فان مقومات الإستراتيجية لا تخرج في مجملها عن

  •  مقومات بشرية .
  •  مقومات مادية .
  •  مقومات تنظيمية .
  •  مقومات تشريعية .

فرع أول

مقومات بشرية

 أعني بالمقومات البشرية هنا , رجل الأمن , بحسبانه هو محور الاستراتيجية وركيزتها . فالوظيفة الأمنية تتسم بالأهمية , وتأتي أهميتها ليس فحسب في كونها وظيفة متشعبة ومتعددة , بل أيضا بالنظر إلى ظروف أداء رجل الأمن لوظيفتيه , فهو يؤدي عمله في ظروف تتسم - إلى حد ما -بالخطورة .  ومن هنا نوجه النظر إلى ضرورة وضع ضوابط ومعايير دقيقة لاختيار رجل الأمن , وصياغة برامج تأهيله وتدريبه من جانب متخصصين , تمتزج فيها الخبرة مع التقنيات الحديثة , وبمراعاة ذلك كله مع مستوى وأهمية الوظيفة وتبعاتها ومسئولياتها , إذ إن أي خلل من هذه المعادلة في احد جوانبها يؤثر سلبا في الجانب الآخر.  وإذا كنا هنا لسنا بصدد الحديث عن تأهيل وتدريب رجل الأمن , بحسبانها وسائل لرفع كفاءة رجل الأمن (21) , سواء في فترة الإعداد وقبل دخول الخدمة أو الاضطلاع بمسئولياتها , أو بعد الانخراط في الخدمة بهدف إمداد رجل الأمن بالمعلومات الضرورية التي تحقق تنميته في الاتجاهات المختلفة المتصلة بعمله , واكتسابه الخبرات والمهارات الفنية والإدارية والسلوكية اللازمة لأدائه , إلا إننا نعني هنا بالعنصر البشري المنوط به تنفيذ الاستراتيجية بتبعاتها وبمسئولياتها وما يتطلب ذلك بالضرورة من توجيه النظر إلى الاهتمام بهذا العنصر .  ومما يجدر الإشارة إليه هنا , أن هناك واجبًا مفروضًا أو مفترضًا في رجل الشرطة هو تنمية ملكاته ومعلوماته الخاصة ذاتيا , ولن يتأتى ذلك إلا بالاطلاع والاستفادة بكل ما هو جديد في مجال الأمن سواء بالداخل أو الخارج وذلك بغية رفع مستوى الأداء وفي إعلاء شان جهاز الأمن الذي ينتمي إليه (22) .  ويأتي بعد ذلك تدريب أفراد جهاز الأمن , والتدريب هنا لا يهدف فحسب إلى إمداد المتدرب بالمعلومات الضرورية التي تحقق تنميته في الاتجاهات المختلفة , المتصلة بعمله , وإكسابه الخبرات والمهارات الفنية والادراية والسلوكية اللازمة لأدائه , ولكنه يحقق هدفا أهم وأعمق بالسعي إلى الارتقاء بمستوى الأداء كما وكيفا وبعلاقات العمل , بل إن النظرة المتعمقة للتدريب تؤكد اهتمامه أيضا بخدمة أهداف العاملين وإشباع حاجاتهم إلى الإحساس بالأمن والاستقرار وزيادة ثقتهم بأنفسهم وبما يؤدونه من أعمال , وهي عوامل لتنمية الانتماء للأجهزة التابعين لها (23) .  وتقوم فلسفة التدريب على منطق واضح يفترض أن الأعداد والنوعيات المطلوبة من الكفاءات البشرية لممارسة أعمال معينه تتطلب مستوى عالٍ من الكفاءة والمقدرة , كما هو الحال بالنسبة للتخصصات المطلوبة .  وفي مجال الأمن , لا يمكن أن تتوفر بالاعتماد على القدرات الطبيعية والتلقائية وحدها أو بحكم الخبرات الفردية المكتسبة , وإنما يمكن توفيرها وتنميتها عن طريق التدريب المنظم الذي ينقل الخبرات المكتسبة لدى الدول والمؤسسات والأجهزة المتقدمة ويستفيد منها .  كما ترتكز فلسفة التدريب أيضا على قاعدة أساسية مؤداها انه حتى في حالة وجود أجهزة ومؤسسات علمية ويتخرج منها المتخصصون في مجالات العمل المختلفة فان الحاجة ستظل قائمة إلى استخدام التدريب أيضًا لتوفير الأساليب وفتح آفاق جديدة من المعرفة المهنية والعلمية أمام الممارس الذي تتيح له دراسته النظرية أن يتفاعل معها .  هذا فضلاً عن الحاجة الدائمة إلى تجديد المعلومات وتطوير المعرفة القائمة والوقوف على أحداث الأساليب والنظريات في مجال التخصص , وهو ما توفره البرامج التدريبية المنظمة (24)  إذا كان التدريب العام ضرورة الغرض منه رفع المستوى العلمي والعملي وتطوير أسلوب الأداء , فالتدريب المتخصص يعمل على تعميق المعلومات التخصصية لعملية محددة , أو مهارة وظيفية خاصة تدخل في إطار عمل الفرد ويهدف هذا النوع من التدريب إلى تنمية وتثبيت المعارف والمهارات المكتسبة أثناء التدريب الأساسي وتعميقها والارتقاء بكفاءة الفرد إلى المستوى المطلوب لأداء مهمته أو وظيفة معينة تحتاج إلى تخصص عميق بما يكفل تحقيق الكفاءة المطلوبة (25)  ومن مجموع ما تقدم يتبين أن اختيار الكوادر الأمنية القادرة على تنفيذ الإستراتيجية يتعين أن يتوافر فيها اللياقة البدنية والمهارات الأساسية , إذ إن تلك اللياقة و المهارات المطلوبة لتنفيذ المهام المكلف بها في ظل الظروف والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة , كما ينبغي أن يتوافر في رجل الأمن مستوى من الذكاء والقدرات الذهنية التي تمكنه من استيعاب الاستراتيجية التدريبية وأبعادها وغاياتها , إذ إن الاستراتيجية في جانب منها تعتمد على الدروس النظرية والتطبيقية المستندة إلى نظريات علمية أو فلسفية معقدة وفي جانب آخر عملية قائمة على أساس المشاهدة العلمية الجماعية أو الحرة .  وإذا أخذنا الاعتبارات المتقدمة في الحسبان عند التخطيط للتدريب , فانه سيؤتى ثماره المرجوة في مواجهة الظواهر الإجرامية أيا كانت درجة خطورتها على الأمن بل والتصدي لها بفاعلية .

فرع ثان

مقومات مادية

 وأعني بالمقومات المادية هنا , الوسائل والإمكانات العملية الحديثة التي تمكن رجل الأمن من أداء دوره بفاعلية واقتدار .  وتلك المقومات لا تقع تحت حصر , كما أنها تختلف من وقت لآخر بل أنها تتباين من قطاع إلى آخر.  والشيء الهام الذي يجب إبرازه هنا هو أن دور الشرطة يجب أن يمتد إلى ابعد من مجرد المجهود الوقائي أو العلاجي , ذلك أن تحديات المستقبل تتطلب قدرًا كبيرًا من القدرات الفنية مع توفير كل ما يتصل بجوانب الحضارة الآلية والميكانيكية وفي إطار ما يمكن أن يعنينا من انجازات تكنولوجية , نجد أربعة مجالات هامة (26) .

  •  النقل والمواصلات .
  •  الأسلحة .
  •  وسائل الاتصال
  •  الأجهزة الالكترونية .

 وإذا نظرنا إلى المجال الأول وهو مجال النقل والمواصلات , فنجد أن هذا المجال في الشرطة محل اهتمام ملحوظ ذلك أن متابعة الجريمة وملاحقتها وكشف أبعادها تتطلب وسائل اتصال جيدة قادرة على ملاحقة الجريمة .  وإذا ما نظرنا إلى مجال الأسلحة في الشرطة نجد أنها تطورت بدرجة كبيرة , أساس ذلك أن المجرمين أصبح في حوزتهم أسلحة خفيفة سريعة الطلقات وبعيدة المدى , وهذه الأسلحة في تقديرنا لها آثار واضحة على الشرطة , وهذا الوضع سوف يفرض عليها أن تواجه المجرمين بتسليح أحدث , بل وأيضًا التدريب على تلك الأسلحة في مواقع الأحداث وفي مناسبات مختلفة وفي تحديد نوعيات الأسلحة وفقا لطبيعة الخدمات المتباينة مما يحقق كفايتها وفاعلياتها (27) .  وبالنسبة لوسائل الاتصال , فإنها تبرز كعملية أساسية وحيوية في جهاز الشرطة بصفة عامة وفي عملياتها الأمنية بصفة خاصة , فالاتصال الجيد في الوقت المناسب وراء نجاح كافة العمليات الشرطية .  إلا انه بالرغم من كل ما تقدم , فان الاتصالات مازالت في حاجة إلى تطوير على نحو يواكب التقدم العلمي في هذا المجال , فالاختراعات الحديثة مازالت تلقي بضلالها على هذا المجال الحيوي , والذي على قدر الاهتمام به تأتي النتائج محققة لأهدافها (28) .  أما الأجهزة الالكترونية , فإنها تحمل معها آفاقًا واسعة للاستخدام بواسطة الشرطة وقد استخدمت الحاسبات الالكترونية والكمبيوتر في كثير من مجالات , العمل في أجهزة الأمن , ويا حبذا لو تم استخدامها على نطاق واسع في كل الأجهزة الأمنية لما لها من فعالية الأداء (29) .  وفي هذا الإطار يجب تخصيص قسم لمساعدات التدريب في كل جهاز أو مركز للتدريب يضم فيه الخبرات الكافية والقادرة على أداء دور متميز في هذا العمل , مع ملاحظة استمرار التجديد والابتكار في هذا الصدد حتى تلائم تلك الأجهزة التطور في مجال الجريمة (30) .  ونود هنا الإشارة إلى حقيقة هامة , وهي أن وسائل الاتصال والتسليح ووسائل النقل والمواصلات والأجهزة الالكترونية وحدها ليست مؤثرة التأثير الذي يمكن أن يتوقع لها ما لم تعززها قيادة وإدارة على مستوى عال من الكفاءة قادرة على توجيه هذه الإمكانات نحو استخدام أمثل , بحيث يتحقق الهدف منها بأعلى درجة من الإتقان والاقتصاد والسرعة .

فرع ثالث

مقومات تنظيمية

 نود التنويه , بادئ الرأي إلى أن المقومات التنظيمية تعني ضرورة وحدة القيادة لمتابعة كافة الأجهزة المشتركة أو المنوط بها تنفيذ الاستراتيجية , الأمر الذي يحقق بالتالي وحدة الأوامر والتعليمات لكافة الأجهزة (31) , وعلى العكس إذا تعددت القيادة في صدد أمر معين , فيؤدي ذلك إلى تعدد القرارات , والأوامر أو التعليمات الأمر الذي قد يقضي إلى تضارب تلك القرارات وتنعكس بآثارها على أداء رجل الأمن  فمن المسلم به , أن القرارات أو الأوامر والتعليمات تصدر من القائد أو السلطة المختصة إنما تواجه ظروف ومتطلبات العمل والظروف المحيطة به , وهو المسئول عن إصدار تلك القرارات .  ولسنا هنا بصدد إعمال قواعد المسئولية لرجل الأمن كإصداره قرارات في شان أداء مهام عمله , بل إننا نهدف هنا إلى توحيد السلطة مصدرة القرار وان يحمل القرار إلى علم رجال الأمن بكافة ظروفه وملابساته من قناة شرعية واحدة .  وفي هذا الصدد , فإننا نرى ضرورة بناء إطار سليم للأجهزة والقواعد واللوائح والإجراءات بما يتمشى مع خطة الاستراتيجية وبما يلائم متطلبات الواقع والمتغيرات التي تجد كل يوم .  ومن الأهمية بمكان – في هذا الصدد – التأكيد على ضرورة اختيار قيادات أثبتت عمليًا أن لديها القدرة الحقيقية على إدارة خطة الاستراتيجية , قيادات قادرة على اكتشاف إمكانيات رجال الأمن , والتعرف على العوامل التي تعوقهم , وقادرة في ذات الوقت على سد نواحي القصور, واستثارة حماس رجال الأمن والشجاعة في الإقرار بالخطأ والبدء فورا بتصحيحه (32).  ولابد لضمان تنفيذ الاستراتيجية بنجاح التنسيق بين الجهات المعنية , وينبغي لنجاح التنفيذ توفير نظام فعال للاتصال بين القيادة والقاعدة لإبلاغ الأوامر والتعليمات إلى كافة المستويات بصورة قابلة للاستيعاب والفهم , ولنشر الإحساس بالمشاركة بين المنفذ والمخطط , ومن ثم زيادة الاهتمام بالعمل , وكذا اخذ رأي القيادات المباشرة والمنفذة في مختلف التغييرات التي يطلب إجراؤها , كما انه لا ينبغي إغفال ما للمتابعة والرقابة من دور كبير في انجاز العمل المطلوب وتحقيق أهداف الاستراتيجية (33) .

فرع رابع

مقومات تشريعية

 ونعني بالمقومات التشريعية القوانين والأنظمة سواء تلك التي تتعلق بشئون أجهزة الأمن , أو تلك التي تتعلق بأداء عملها .  وفي خصوص التشريعات التي تتعلق بشئون أجهزة الأمن , فهي ( قانون قوات الأمن العام أو قانون الشرطة ) تقوم على ترتيب الأوضاع الوظيفية بمختلف مظاهرها ( التعيين , الترقية , النقل , التأديب وغيرها ) إضافة إلى توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين في أجهزة الأمن , سواء كانوا في الخدمة أو بعد انتهاء خدمتهم .  ومن ناحية أخرى , فان تلك التشريعات , إنما تعنى أيضا - بالدرجة الأولى - بتأهيل وتدريب العاملين بأجهزة الأمن سواء من الضباط أو الأفراد أو المدنيين بهدف زيادة المهارات الفردية والجماعية للمتدربين ومتابعة التطورات العلمية والتقنية والفنية في مجالات العمل المختلفة.  أما في خصوص التشريعات التي تتعلق بأداء أجهزة الأمن فهي على سبيل المثال لا الحصر : قوانين العقوبات , أصول المحاكمات الجزائية ( الإجراءات الجنائية ) وغيرها إلى جانب الاتفاقيات العربية أو الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب أو المخدرات أو المؤثرات العقلية وغيرها من الاتفاقيات التي تستهدف مواجهة الجريمة سواء على النطاق الإقليمي أو الدولي , باعتبارها تصبح جزء من التشريعات الوطنية .  أما القوانين التي تقوم على تنفيذها فهي على سبيل المثال لا الحصر الجنسية , قانون الجوازات , قانون المرور , قانون الإقامة وغيرها من القوانين .

مبحث ثالث

النتائج المستهدفة

 تفرض السمات الإجرائية الحديثة آثارها الواضحة والحتمية في خطة المواجهة الأمنية وتعتمد الخطة هنا – على التسلح بذات السمات بل والتفوق عليها بقدر من الوسائل والإمكانات القادرة على إجهاض تلك السمة وإفقادها لكل فاعليتها بشكل يكفل في النهاية الحيلولة دون وقوع الجريمة أو إنجاحها في تحقيق نتيجتها الإجرامية .  ويتطلب تنفيذ الخطة الأمنية ضرورة زيادة الخبرات الفنية لرجل الأمن ويقتضي الأمر بداية الوقوف على الأهداف المطلوب تحقيقها وتحديد الأنماط الوظيفية القادرة على إدراك تلك الأهداف ويلزم التنبيه هنا ألا تقتصر الإستراتيجية على مجرد استهداف الوظيفة وتنميتها بل يتعين ضرورة إن نوضح من خلال منظور يؤخذ في الحسبان الوقوف على منجزات العصر من نتائج تقدمه حتى لا تحدث فجوة بين مستوى الأداء الوظيفي وبين ظروف البيئة المتغيرة بشكل يؤدي إلى حدوث سلبيات تحول دون تحقيق الوظيفة لغاياتها وبخاصة في مجال العمل الشرطي كما ينبغي التبصر والأخذ في الاعتبار- في صدد صياغة الاستراتيجية - بكافة المتغيرات الاجتماعية التي تمثل إطارًا للخطة وتعمل برامجها من خلاله , بل تسعى إجراءاتها إلى مواجهة ما يحفل به من ظروف وأحداث ولعل ذلك التبصر هو الذي يضمن للاستراتيجية إمكان تكاملها وحسن انتظامها وارتفاعها إلى مستوى المنظومة التي تتميز بقدرتها على الجمع بين مجرد التصور التخصصي وبين الفاعلية للتطبيق في ضوء الإلمام بكافة عناصر المعرفة وبعمليات الحياة العامة وإمكاناتها .. فالاستراتيجية في مجال الأمن تنفرد عن غيرها بسمات متميزة أهمها مرونتها وقابليتها للتعديل والتغيير لمواجهة المتطلبات الأمنية المتجددة التي فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية .  وتستهدف الاستراتيجية في ضوء ما تقدم , تحقيق التناسب بين قدرات رجل الأمن وإمكاناته وبين جسامة الجرائم وخطورة نتائجها , ويتم ذلك من خلال توصيف أولي للقدرات والإمكانات الأمنية اللازم توافرها لإمكان مواجهة كل جريمة أو مهمة أمنية بعد الربط بينهما بصورة توضح ذلك التناسب بين الغاية المراد الوصول إليها والوسيلة القادرة على ذلك , بحيث تبدو عملية التماثل بين الجريمة وأساليب مواجهتها أمرًا يتسم بالواقعية القادرة على تحقيق السيطرة لأجهزة الأمن مهما بلغت الجريمة من خطورة وتنوعت وسائل إتمامها وتطورت فنون مقترفيها . وفي ضوء ما تقدم جميعا يمكننا استخلاص بعض ملامح خطة الاستراتيجية وهي : أولا : أن اختيار إحدى الخطط دون الأخرى يتوقف على وجهة نظر المخطط وخبرته والظروف المحيطة , وكذلك السياسة العامة التي تسود الدولة التي يجب أن تضعها الشرطة في اعتبارها عند إصدار قرارات خاصة القرارات التي تصدر من الإدارة العليا لجهاز الشرطة وهي ما يطلق عليها القرارات الاستراتيجية . ثانيا : ومن ملامح الاستراتيجية ضرورة تتبع حركة الجريمة في العالم وخاصة الدول المتحضرة فقد تغير شكل الجريمة عالميا بعد السبعينيات وفي الثمانينيات .  وامتد هذا التغيير إلى معظم دول العالم التي عانت الكثير من الدول ظاهرة الإرهاب والجريمة المنظمة , والجريمة العصرية وانتشار التيارات الفكرية – السياسية – الدينية التي تسعى للامتداد خاصة بين الشباب . ثالثا : التركيز على ارتفاع القدرات والمهارات الفنية والسلوكية لجهاز الشرطة , وبالتدريب والتنمية المخططة – يجعله اقدر على أداء مهامه وواجباته بكفاءة وضمن المعاصرة في المعلومات والمعارف الشرطية العامة . رابعا : ضرورة إشراك أو إسهام المواطنين في مكافحة الجريمة , إذ إن الشرطة لا تستطيع بمفردها أن تتصدى للجريمة بضراوتها وآثارها المدمرة والخطيرة , وهذا يتطلب بالضرورة إنشاء جسور التعاون بين الشرطة والمواطنين وينبغي أن تبدأ الخطوة الأولى في سبيل هذه العلاقة من جانب الشرطة , وهذه الروابط لا سبيل إلى إقامتها إلا بالجهد والمثابرة الدائمة , ووضع منهاج لذلك يمكن من خلال تطبيقه الوصول إلى الغاية.. وقد أسفرت هذه المشاركة عن كشف غموض كثير من الجرائم. خامسا : ضرورة توافر المقومات والمتطلبات اللازمة لقيام الاستراتيجية وهذه المقومات ضرورة لا غنى عنها لنجاحها , وسبق أن اشرنا إليها في موضعه.  ونكرر هنا مرة أخرى ما سبق أن نوهنا إليه من ضرورة رصد الاعتمادات المالية اللازمة لتوفير تلك الأمنيات المادية سادسا : ضرورة توافر المقومات التنظيمية اللازمة لقيام الاستراتيجية , إذ لا يغيب عن البال أن نجاح أية استراتيجية يعتمد – بالدرجة الأولى – على وحدة القيادة المنوط بها الإشراف على تنفيذها .  وأخيرًا , فان الاستراتيجية بمتطلباتها ومقوماتها وبمراعاة الاعتبارات المتقدمة تحقق أهدافها في توفير الأمن والاستقرار بحسبانهما هما أساس التقدم والتنمية .